الجنيد البغدادي

207

رسائل الجنيد

عظمت المعرفة بذلك عظم القادر في قلوبهم فأجلوه وهابوه وأحبوه واستحيوا منه وخافوه ورجوه فقاموا بحقه واجتنبوا كل ما نهى عنه وأعطوه المجهود من قلوبهم وأبدانهم أزعجهم على ذلك ما استقر في قلوبهم من عظيم المعرفة بعظيم قدره وقدر ثوابه وعقابه فهم أهل الخاصة من أوليائه فلذلك قيل فلان باللّه عارف وفلان باللّه عالم لما رأوه مجلا هائبا راهبا راجيا طالبا مشتاقا ورعا متقيا باكيا حزينا خاضعا متذللا فلما ظهرت منهم هذه الأخلاق عرف المسلمون أنهم باللّه أعرف وأعلم من حلية الأولياء عوام المسلمين وكذلك وصفهم اللّه فقال إنما يخشى اللّه من عباده العلماء وقال داود عليه السلام إلهي ما علم من لم يخشك فالمعرفة التي فضلت بها الخاصة العامة هي عظيم المعرفة فإذا عظمت المعرفة بذلك واستقرت ولزمت القلوب صارت يقينا قويا فكملت حينئذ أخلاق العبد وتطهر من الأدناس فنال به عظيم المعرفة بعظيم القدر والجلال والتذكر والتفكر في الخلق كيف خلقهم وأتقن صنعتهم وفي المقادير كيف قدرها فاتسقت على الهيئات التي هيأها والأوقات التي وقتها وفي الأمور كيف دبرها على إرادته ومشيئته فلم يمتنع منها شيء عن المضي على إرادته والاتساق على مشيئته وقد قال بعض أهل العلم إن النظر في القدرة يفتح باب التعظيم للّه في القلب ومر بعض الحكماء بمالك بن دينار فقال له مالك عظنا رحمك اللّه فقال بم أعظك إنك لو عرفت اللّه أغناك ذلك عن كل كلام لكن عرفوه على دلالة أنهم لما نظروا في اختلاف الليل والنهار ودوران هذا الفلك وارتفاع هذا السقف بلا عمد ومجارى هذه الأنهار والبحار علموا أن لذلك صانعا ومدبرا لا يعزب عنه مثقال ذرة من أعمال خلقه فعبدوه بدلائله على نفسه حتى كأنهم عاينوه واللّه في دار جلاله عن رؤيته ففي ذلك دليل أنهم بعظيم قدره أعرف وأعلم إذ هم له أجل وأهيب . * * *